🌺 شتان بين الثرى والثريا🌺 بقلم الاديب : ماهر اللطيف🌺
شتان بين الثرى والثريا
-----------------------------
أتعلمون لما تقدم الآخرون وتأخر العرب؟ لما تطور "الكفار" وعانقوا الإبداع والإشعاع وإلاقلاع، وبقي العرب مرابطين في القلاع يعانون الويلات والاهات والأمراض وشتى انواع الصراع؟ لما قام "الأعداء"ونهضوا بانفسهم ومجتمعاتهم، وخيّر العرب الجلوس حيثما كانوا في كل الانحاء ومعهم أوطانهم وحضاراتهم؟...
إن الجواب سهل في الحقيقة ولا يتطلب مجهودا كبيرا أو بحثا معمقا مادام العرب يكرهون بذل أي مجهود أو تعب أو عمل وغيرها من الأمور التي تعكر صفوهم وتحرمهم من الراحة والرفاه والحلم والانتطار و.... (وأنا عربي ضمن العرب الذين أتحدث عنهم حتى لا يُفهم كلامي غلطا)
فهم - الكفار - ينظرون دوما إلى الأمام ولا يلتفتون إلى الوراء إلا نادرا، إما للتنفس والهروب من الواقع المرير للحظات قبل الرجوع إليه بقوة لتحديه وتجاوزه والتغلب عليه،وإما لتفكيكه وتحليله وتفسيره قصد الاعتبار منه وأخذ الدروس وتجنب الأخطاء والنقائص في الحاضر والمستقبل.
فهم مجتمعات حالمة، متفائلة، مليئة بالحيوية والارادة وحب التقدم والتطوير والتحديث وخدمة الإنسانية دون قيد أو شرط بعيدا عن الجنس والدين واللون واللغة وغيرها، مؤمنة بنفسها وبقدرتها على المضي قدما نحو الأفضل والاحسن مهما كانت العراقيل والمصاعب وشراك أعداء العمل والأمل....
مجتمعات ترى "المستحيل" "ممكنا" مادام العقل والساعد قادرين على تحويل الأحلام إلى واقع ملموس بكل سهولة وسلاسة بعد التفكير العميق ودراسة الفكرة وإمكانية انجازها والسبل الممكنة لذلك والياتها وتقنياتها وغيرها،فالتخطيط لها وتوفيرها الإمكانيات الفكرية والجسدية واللوجستية والنفسية وغيرها،قبل الشروع في تنفيذها مع الحرص على احترام الوقت والجودة والحرفية واللوائح والقوانين والنصائح والتوجيهات وغيرها من الأمور الأساسية لنجاح كل فعل كان في يوم من الأيام مجرد حلم...
أما العرب - وما ادراك ما العرب -، فنحن مجتمعات نهيم بحب الماضي ونعشق الإقامة فيه. أمة "كنا، فعلنا، اخترعنا،انجزنا، قلنا، بعنا، اشترينا،... أمة نهوى الاستشهاد ب" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ( ال عمران 110) ونتفاخر بها لنتباهى بها أمام الأمم الأخرى...
أمة غير متصالحة مع ذاتها ومع من فيها ومن يتعامل معها، تكره الحاضر والمستقبل الحاثين على العمل وبذل قصارى المجهودات لتأمين حاضر مشرف وغدا أفضل فتهرع إلى الماضي لتتغنى به تغطية لفشلها الذربع وتوقها إلى الاستهلاك المفرط عوض الإنتاج أو المساهمة فيه...
أمة تحلم بالمال والجاه والعقارات وعالي المناصب والكراسي والتسميات دون أن تبذل أي جهد أو تقوم بأي عمل مهما كان نوعه او حجمه، تقاسي شتى أنواع الأمراض والنواقص كالانانية المفرطة وحب الذات والتملك والكره والحقد والحسد وغيرها، وتنعت الآخرين بالمرض واللهفة و"الكفر" و"الإلحاد"، وتعدهم بالنار وبئس المصير، وضرورة تجنب التعامل معهم والاحتكاك بهم اتقاء لشرهم تماشيا والقول المشهور "ابعد على الشر وغنيلو" وهم في الحقيقة مرتبطون ب" هؤلاء الأعداء " أيما ارتباط بما أنهم مستهلكون لكل منتجات الغرب من " ألفها إلى يائها".
في كلمة، فإن الفرق شاسع ما بين الطرفين المذكورين سلفا على جميع الأصعدة وفي كافة المجالات و الحضارات والازمنة والرقع الجغرافية.
فمن يرفض الحياة ويرضى بالخنوع والاستسلام ويتخذ من التشاؤم شعارا، ويخير الجذب إلى الوراء والعيش دون هدف أو غاية في عالم الأساطير والخرافات والحكايات والبطولات، مستهلكا ما ينتجه غيره في كافة مجالات الحياة لاشباع غرائزه وحاجياته، يختلف تمام الإختلاف عمن يؤمن بنفسه قدراته، فينظر إلى حاضره بعد استخلاص عبر ماضيه ليخطط إلى غده بكل تفاؤل وبشاشة واقبال على الحياة فيعمل دون خجل أو وجل متحديا الصعاب إلى أن ينال هدفه ويبلغ مبتغاه ولو طال الزمن.
نعم، فالفرق شاسع بين أمة تعشق الكلام والتنظير وتحيا في عالم وهمي من زجاج وبين أمة تعشق الفعل وتسعى إلى تحقيق كل الأحلام والانتظارات مهما تعقدت وتشعبت مادامت قادرة على ذلك...
فالفرق إذن جلي وواضح، كالفرق بين الليل والنهار، الأبيض والأسود، السلب والايجاب، العمل والتقاعس...، بين من يؤمن بالحديث النبوي "لو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله.." ولا يسعى إلى تطبيقه، وبين من لا يؤمن بقائله ويعمل على تحقيقه وإنجازه، بين من يرضى بالسمكة ومن يريد أن يتعلم صيدها كما يقول المثل الصيني "لا تعطني سمكة بل علمني كيف اصطادها" ....
_____________________________________________
بقلم :ماهر اللطيف

تعليقات
إرسال تعليق