قطة الليل الجميلة للكاتب خالد سليمان


 قطّة الليل الجميلة - بقلم وألوان : *خالد سليمان

**************************************************

تأنس الروح أحيانا بمخلوقات عجيبة حيّة نابضة ، قد تكون أقرب من كثير من الناس إلى قلب المرء ، فقد يغيب الأحبّة ، وتتباعد أماكنهم ، ولكن هذه المخلوقات أرواح رقيقة ، تملأ حنايا النفس اهتماما وحبّا .

فالوردة الأنيقة رسالة حبّ وشوق ، تأنس بها الروح المتعبة ؛ فتبتسم ، والشمس المشرقة كم تعطي للنفس جرعة الأمل ! ، ومشهد الغروب الدامي الذي يفتح صفحات الذكريات ؛ لنلتقي القلوب التي فارقتنا ، أو تلك القطة الوديعة الدافئة التي سكنت اهتمامي من حيث لا أتوقّع أو أنتظر .

فقد تعوّدت دائما أن ألقي ببقايا الطعام في مكانها المخصّص ، ولأنني أعشق الإقامة في الطوابق العليا ؛ فقد نظمت نزولي وصعودي ؛ حتّى لا يزعجني صعود السلّم . 

وكان نزولي مرتبطا بمواعيد الصلاة ، ولما تغيّر مكان وضع بقايا الطعام ؛ بدأت أشقّ على نفسي بالسير ؛ رغبة في أن أكون قدوة لمن حولي ، ولم أكن أنتبه لقطيع من القطط ، يتبعني كلما توجهت نحو مكان إلقاء الفضلات ولاسيّما قطة الليل الجميلة ، والعجيب أنني كلما توجّهت إلى الصلاة ؛ تبعتني أيضا .

لقد حفظت مواعيدي ، وخاصة في صلاة الفجر ، أراها قمرا أبيض شقّ بياضه لون رماديّ رقيق على ظهرها ، لم أر عينيْها إلا في صلاة العصر ، ويا سبحان الله سيمفونية من اللون الأخضر الحنون ! ، كان الفستق في عينيها ينام ولا ينام ، سبحان بديع السموات والأرض ! ، كأنّها تعطيني درسا في إبداع الخالق العظيم . 

ولأوّل مرّة أدرك أنّ المخلوقات لا تتشابه أبدا ، ولابدّ من اختلاف مهما كان دقيقا ، ورغم أنني لا أتقن التمييز السريع بين التوائم من طلابي مثلا ، فغالبا ما كنت أطلق عليهما مثلا أولاد عبد الرحمن ، إذا كان أبوهما اسمه عبد الرحمن . 

ولكن هذه القطة حفظت ملامحي ، مهما تغيرت أزيائي وألواني ، وما تلبث أن تراني ؛ حتى تجري نحوي بغضّ النظر عمّا في يدي لها ، وبدأت أتعوّد على مرافقتها لي ، حتى ألفتها ، وأنست بصحبتها لي حتى باب المنزل ، وبعدها ترحل وحدها . 

وبدأت أسعد جدا بإلقاء فضلات الطعام ، كلّما نزلت من المنزل ؛ حتى أراها ، وأملأ مقلتيّ بأنس تلك الروح الكريمة ، وخاصة أنني أقترب منها ، وأسألها بطريقة طفولية رقيقة معناها هل أنت جائعة ؟ 

وكانت تلتفّ حولي ، فأملأ عينيّ من خضرة عينيها ، وعاهدت نفسي على تصويرها ، لولا حيائي من الناس ، 

جلست بالقرب من بيتي ساعة ، حيث يقع بجواره بيت تحت الإنشاء ، فأتتني ، ووقفت نحوي ، وتلاقت عيناي بها ؛ فرأيتها تغمض عينيها برقّة وحنان لم أعهدهما ، وأنا أبادلها إغماض عيني بإغماض عينها ، وبدأت علاقة من الودّ تنشأ بيننا ، ونمت وردة بيضاء من الألفة ، كنّا نرويها باللقاءات غير المقصودة ، ولكنّه الاعتياد الذي نشأ بيننا . 

يا لرقتها ! ويا لحناني عليها ! 

وأحيانا أشكو لها ما بي بغير لغة بيننا ، وكم يسعدني جلوسها أمامي أو بالقرب منّي أو حتى رؤيتها !فتتألّق جوانب قلبي بالبهجة . 

في ليلة مقمرة ، رأيتها قمرا يمشي على الأرض ؛ من بياضها الناصع الذي يسبح فيه جدول من اللون الرماديّ الباسم ، وسط سواد حالك .

وكم أرجو لو أنها اقتربت منّي أكثر ، ووضعت يدي على ظهرها ، ولكنّ هذا لم يحدث .

وها هو الغياب يصيب ملامحها ، فلم أعد أراها ليلة بل ليلتين ، ولكن أين هي ؟

وعند مشاهدة غروب هذا اليوم ، وجدت كتلة من البياض تتألّق رغم وحل الأرض من مطر خفيف .

وما إن أمعنت النظر ؛ حتى وجدتها ميّتة ملقاة بجوار سور أحد المباني ، صدمت من هذا المشهد ، وهي مغمضة العينين ، قد هدأت حركتها ، وسكنت رحلة حياتها وانطفأت ، وكأنني الذي حسدتها ؛ لطيبتها ورقّتها وجمالها .

هل حقا حسدتها ؟ أم هي عادة أعرفها في نفسي ، ما تعلقت بشيء ؛ إلا وفقدته ، وما تعلقت بقلب إلا وفارقني أو فارقته ، ولكن حتى قطتي البيضاء الأنيقة ، قتلتها مشاعري هل ينطبق عليها المثل : ومن الحبّ ما قتل ، هل لأني أحببتها ؟ ! ، أو لأنها صارت مفردة جميلة ، تعلّقت بها في واقعي القاسي . 

كنت أتذكّرها بمزيد من الحزن عليها ، ترى هل لو كبرت وصار لها صغار هل ستتعلّق بي ؟ أو كانت ستعرفّهم عليّ ؟ 

كلّ هذا دار في بالي وخاطري ، وأنا أنظر لبياضها النائم في حضن سواد الطين ، وتأملت عينيها المغمضتين الهادئتين ، يا لسكون الموتى ! 

للموت جلال رهيب يستولي على اهتمامي ، كم رجوت لو ربتت يدي على ظهرها ! ، 

ولكن جلال الموت يمنعني . 

كم تأملت رموشها المصفوفة بإبداع ، فسبحان الخالق العظيم ! ، 

كانت قمرا نائما ملوثا بالوحل ، ومع هذا نالت اهتمامي ، وأخذت من قلبي مكانا أرجو أن تشغله طويلا ، ولكن هذا عهدي بمن أحبّه ، حينما يصل نهر المشاعر إلى أعلى مستوى ، يبدأ الجفاف يزورني ، ويحوم في سماء حناياي ، وتتساقط أوراق الورد ، وتجفّ أوراق المشاعر الحنونة ، ورغم أعداد القطط الكثيرة لم يشغل بالي منها قطة واحدة ، وها هي عيناي تنسحب في بطء شديد ، وما تلبث أن تعود إليها ؛ لينطفئ البياض ببطء ؛ إيذانا بأنّ شمس الغروب تودّع المكان ، وتطفئ ضوء كلّ شيء ، ولكنّ بياض قطتي ، يسافر في قلبي ، ويقيم في حناياه ، ويتجاوب مع قلبي مرّة واحدة كلّ شهر ، عندما يتألّق قمر ليلة الرابعة عشرة من كلّ شهر .

سأظلّ أذكرها كحالة حبّ ، أو شحنة صدق أرى من خلالها كل القلوب الطيّبة التي أحببتها ، وتعلّق بها قلبي ، وفارقتني و فارقتها .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نؤمن بالله ولكن..... للشاعر عبد العظيم كحيل

🌻نازح ..مشرد 🌻بقلم الشاعر🍁 مصطفى نبو🍁

❤️عيون ❤️بقلم ابراهيم جعفر ❤️